عبد الله بن أحمد النسفي

326

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 55 إلى 57 ] قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 57 ) النواحي ويمتارون منك ، ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك ، قال الملك : ومن لي بهذا ومن يجمعه ؟ 55 - قالَ يوسف اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ ولّني على خزائن أرضك ، يعني مصر إِنِّي حَفِيظٌ أمين أحفظ ما تستحفظنيه عَلِيمٌ عالم بوجوه التصرف . وصف نفسه بالأمانة والكفاية وهما طلبة الملوك ممن يولّونه ، وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام اللّه وإقامة الحقّ وبسط العدل والتمكّن مما لأجله بعث الأنبياء إلى العباد ، ولعلمه أنّ أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك ، فطلبه ابتغاء وجه اللّه لا لحبّ الملك والدنيا ، وفي الحديث : ( رحم اللّه أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنه أخّر ذلك سنة ) « 1 » قالوا وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عمالة من يد سلطان جائر ، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلمة ، وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر اللّه ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق فله أن يستظهر به ، وقيل كان الملك يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كلّ ما رأى ، وكان في حكم التابع له . 56 - وَكَذلِكَ ومثل ذلك التمكين الظاهر مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أرض مصر ، وكانت أربعين فرسخا في أربعين ، والتمكين الإقدار وإعطاء المكنة يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ إذ « 2 » كلّ مكان أراد أن يتخذه منزلا لم يمنع منه لاستيلائه على جميعها ودخولها تحت سلطانه . نشاء مكي نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا بعطائنا في الدنيا من الملك والغنى وغيرهما من النّعم مَنْ نَشاءُ من اقتضت الحكمة أن نشاء له ذلك وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ في الدنيا . 57 - وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا يريد يوسف وغيره من المؤمنين إلى يوم القيامة وَكانُوا يَتَّقُونَ الشرك والفواحش . قال سفيان بن عيينة : المؤمن يثاب

--> ( 1 ) أخرجه الثعلبي عن ابن عباس من رواية إسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك عنه ، قال ابن حجر : وهذا إسناد ساقط . ( 2 ) في ( ظ ) و ( ز ) أي .